التنبؤ بالزلازل.. خرافة وصدفة محض!

التنبؤ بالزلازل.. خرافة وصدفة محض!

إعداد: وطن نعيرات وفاطمة حمّاد

يجد أشخاص في الأزمات المختلفة والكوارث الطبيعية، فرصة للظهور والشهرة. الهولندي “فرانك هوغربيتس”، واحد من هؤلاء. وجد ضالته في الترويج لقدرته على التنبؤ بوقوع الزلازل قبل وقت من حدوثها. ذاع صيته في الآونة الأخيرة عقب زلزال تركيا وسوريا، ومؤخرا زلزال المغرب. وبات معروفاً على نطاق واسع، بعدما حظيت تغريداته ومقاطعه المصورة بفرص انتشار كالنار في الهشيم.

من ناحية علمية، هل يمكن لأي شخص مهما بلغ علمه أن يتنبأ بوقوع الزلازل؟ هذا ما يجيب عنه التقرير.

من هو فرانك هوغربيتس؟

يعرف “فرانك هوغربيتس” نفسه -عبر حسابه الرسمي على لينكد إن- بأنه مهتم بالنظام الشمسي والكواكب منذ الطفولة، وأنه بدأ بدراسة ديناميكيات ورياضيات النظام الشمسي، مضيفاً أنه في وقت لاحق قام بتوسيع دراسته لتشمل الهندسة في الطبيعة، وأصبح باحثاً في مجال التعليم الذاتي، وأنه تعلم برمجة الكمبيوتر بلغات مختلفة ثم قرر إجراء دراسة شاملة لظاهرة تجمع الزلازل في الزمان والعلاقة المحتملة مع هندسة محددة بين الكواكب.

وأكمل فرانك أنه في عام 2015، بدأ بالتنبؤ بالزلازل قبل وقوعها، بناء على بحثه الأولي حول هندسة الكواكب، وفي 2016 بدأ بمشروع تطوير البرمجيات Solpage؛ وهو برنامج لحساب جميع جوانب الهندسة بين الكواكب والقمر.

وأشار أنه في 2017، بدأ بتطوير خوارزمية SSGI (مؤشر هندسة النظام الشمسي) لتوفير تمثيل رسومي لهندسة الكواكب والقمر.

وختم فرانك أنه أنشأ في 2019 محطة لقياس الشحنة الكهربائية في الغلاف الجوي، لملاحظة العلاقة المحتملة مع الزلازل الأكبر حجماً.

بعدها بعامين بدأ يتوقع الزلازل باستخدام Solpage وSSGI والتقلبات الجوية. ومنذ بداية 2023، يقدم فرانك توقعات الزلازل عبر قناة SSGEOS على موقع يوتيوب.

هل بالفعل فرانك هوغربيتس عالم/ باحث متخصص بالزلازل؟

بعد التدقيق بتعريف “فرانك هوغربيتس” عبر حسابه الرسمي في لينكد إن، لم نجد ما يشير إلى دراسته لعلم “الجيولوجيا” (علم الأرض، أو علم طبقات الأرض)، إنما أشار إلى دراسات متعلقة بهندسة الكواكب وبرمجيات الحاسوب، ولا يوجد له أي مقال أو تقرير نشر عن المحطة التي أنشأها “لقياس الشحنة الكهربائية في الغلاف الجوي لملاحظة العلاقة المحتملة مع الزلازل الأكبر حجماً” .

وتجب الإشارة إلى أن موقع فرانك “ ssgeos.org ” كان يحمل اسم “ ditrianum “، ويظهر ذلك عندما تبحث بالاسم القديم، حيث يظهر لك الموقع الجديد، إضافة إلى قناة يوتيوب باسم ditrianum كان يصرح بتنبؤاته لوقوع الزلازل، وعمل فرانك على تحديث الموقع بشكل كامل وقام بحذف المقالات السابقة.

ويدعي فرانك بأن موقعه “ssgeos.org”، هو معهد/ مؤسسة بحثية؛ ولكننا عند البحث عن الموقع لم نجد أي مؤشر يدل على أنه مُعتمد أو موثوق عالمياً، حيث لا يوجد لفرانك مقالة أو دراسة نُشرت في مجلة علمية محكمة (عبارة عن دورية علمية، تنشر أبحاثاً متخصصة في مجالات محددة، وتخضع الأبحاث المنشورة فيها لتحكيم وتمحيص من قبل متخصصين في المجال نفسه).

وعند مراجعة تعريف الموقع القديم، ورغم وجود خلل تقني في التعريف عبر موقع الأرشيف archive.org، إلا أن فرانك كان يعرف عن نفسه أنه يبني تنبؤاته للأحداث بناء على “علم الأعداد” ويتنبأ وقوع أحداث مهمة خلال العام ويُفسر تحديده بتاريخ تنبؤاته للأحداث والظواهر في العالم من خلال تحليل الأرقام ودلالاتها وطاقة الأرقام، وذلك في منتدى “ The Project Avalon Forum “.

وهو ما ذُكر أيضاً في موقع “ ipaddress ” بأن موقع فرانك القديم هو مؤسسة غير ربحية تعمل على نظرية علم الأعداد لتعزيزها لدى جمهور أوسع.

ولكنّ تفسيره لتنبؤاته في الموقع الثاني “ ssgeos.org ” وحسابه في موقع x (تويتر سابقًا) يختلف تماماً عما كان يُعرف به نفسه قديماً، ولا يشير فيه إلى علم الأعداد؛ بل يعتمد على نظريته الجديدة وهي مواقع الكواكب والقمر وارتباط هندسة الأجرام السماوية في الزلازل.

حيث تنبأ فرانك في 19 شباط/فبراير 2017 على قناته على اليوتيوب ، أن زلزالاً بقوة 8 درجات على مقياس ريختر سيضرب غرب الولايات المتحدة في الفترة ما بين 4 إلى 8 آذار/مارس، ما قد يؤدي إلى “حدث ساحلي”.

وفي الحقيقة، لم يتم تسجيل أي زلزال في تلك الفترة، بحسب موقع تدقيق الحقائق الأمريكي snopes الذي نشر تقريراً موسع حينها وأكد بأنه لم يتمّ تسجيل أي زلازل كبرى كما تحدث فرانك، ولم يتمّ الإبلاغ عن أي أضرار.

وأشار الموقع إلى أن نظرية محاذاة الكواكب لا يمكن أن تتنبأ بالزلازل من خلالها أبداً، وعلى مر الزمن تتكرر هذه الشائعات، وأن هيئة المسح الجيولوجي الأمريكية جزمت بعدم قدرة أي عالم أو خبير على التنبؤ بزلزال محدد، ولكن يمكنهم حساب احتمالية الهزات الأرضية في المستقبل فقط.

منصات التواصل الاجتماعي.. بيئة خصبة لنشر التضليل

ينشر فرانك العديد من التغريدات عن توقعات الزلازل عبر حسابه الرسمي على تطبيق X (تويتر سابقاً). وفي كل مرة يقع فيها زلزال، يغرّد عبر حسابه بأنه كان قد تنبأ قبل حدوث الهزة الأرضية أو النشاط الزلزالي من قبل، ليؤكد نظريته الخاصة بالأجرام السماوية وعلاقتها بالزلازل.

بدأت معرفته بين الأوساط العربية والغربية بشكل كبير بعد توقعه بحدوث زلزال تركيا وسوريا قبل وقوعه بثلاثة أيام؛ إذ نشر تغريدة عبر حسابه الرسمي على X (تويتر سابقاً) بتاريخ 3 شباط/فبراير 2023، و أشار في بداية تغريدته “عاجلاً أم آجلاً”، ما يعني عدم تحديده لزمان واضح، ومن المعلوم أن تركيا هي بيئة خصبة للزلازل وفقاً لهيئة إدارة الكوارث والطوارئ في تركيا، حيث سجلّت في عام 2020 ما يزيد على 33 ألف زلزال في المنطقة.

ما لبث أن أصبحت لديه شهرة كبيرة في الأوساط العربية، وذاع صيته بعد توقعه حدوث زلزال المغرب الذي وقع في 8 أيلول/سبتمبر من هذا العام (2023)؛ إذ نشر تغريدة على تطبيق X بتاريخ 4 أيلول/سبتمبر الماضي، ثم نشر تغريدة بعد وقوع الزلزال، يزعم فيها صحّة كلامه من أنه حذّر من الزلزال مسبقاً.

ولمعرفة مدى انتشار تغريدات وتوقعات فرانك في العالم العربي، تمّ رصد 50 موقعاً إخبارياً لأكثر من 10 دول عربية، نشرت تغريدات توقعاته المتعلقة بزلزال تركيا وسوريا والمغرب أيضاً. نحو 78% من المواقع الإخبارية نشرت تغريداته وتوقعاته من دون الاستعانة بأي من الأبحاث العلمية المتعلقة بالزلازل، أو خبراء متخصصين أو علم الفلك. بينما 22% من المواقع المرصودة نشرت تغريداته وتوقعاته، مُرفقة توضيحاً علمياً لها أو مضيفة رأي خبراء موثوقين بالزلازل.

علمياً.. التنبؤ بالزلازل غير ممكن

أكدت هيئة المسح الجيولوجي الأمريكية بأنه لا يمكن التوقع بالزلازل قبل وقوعها، وتشير الهيئة إلى أنه لم يصدر عنها -أو عن أي عالم آخر- توقع بالزلازل قبل حدوثها من قبل، وأن حساب احتمال حدوث زلزال كبير في منطقة معينة خلال سنوات محددة، يجب أن يقاس بثلاثة عناصر وهي: التاريخ والوقت والموقع وحجم الزلزال.

كما أوضحت الهيئة حقيقة التنبؤ بالزلازل قبل وقوعها الذي يعتمده بعض الأشخاص، بأنها لا تستند إلى أدلة علمية. وأضافت الهيئة بأن التوقعات هذه تكون عامة جداً؛ ولهذا قد يحدث أحدها ولكن لا يكون مستنداً إلى عملية حسابية علمية، أي أن هذا التوقع يحدث بالصدفة.

وبحسب معهد كاليفورنيا للتكنولوجيا، فإنه من غير الممكن التنبؤ بدقة بموعد ومكان وقوع الزلزال، ولكنّ علماء وخبراء الزلازل يمكنهم تقدير الأماكن التي من المحتمل أن تقع فيها زلازل من خلال عملية حسابية تعتمد على أساس حساب معدل النشاط الزلزالي السابق في المنطقة، بواسطة أجهزة قياس الزلازل للمناطق التي تمّ تسجيل الزلازل فيها.

وأشار المعهد إلى أنه من الممكن للعلماء الحصول على معلومات إضافية عن طريق فحص السجل الجيولوجي للتشققات الزلزالية، التي حدثت بتاريخ قديم؛ إذ يقوم العلماء بتقدير عدد السنوات التي يمكن أن يستغرقها التعرض لزلزال بقوة معينة، من خلال عمليات حسابية، وتبقى نتائج هذه العمليات غير مؤكدة.

وفي ذات السياق، تحدثنا مع البروفيسور جلال الدبيك مدير مركز التخطيط الحضري والحد من الكوارث في جامعة النجاح الفلسطينية، الذي أكد بأنه لا يمكن التنبؤ بوقوع الزلازل قبل ساعات أو أيام من حدوثها، وأن “العلم لا يستطيع تحديد التاريخ أو الساعة التي سيحدث فيها زلزال”.

لكنّ الدبيك أضاف بأن “الدراسات العلمية تستطيع تحديد البؤر المحتملة التي يمكن أن يحدث فيها زلزال بشكل تقريبي، وأيضاً تحديد القوة التقريبية للزلزال، وتعتمد قوة الزلزال على طبيعة الصدوع الأرضية ونشاطها على مر الزمن”.

من ناحية أخرى، أشار الدبيك إلى وجود أجهزة “الإنذار المبكر”، وهي أجهزة مكلفة ولا تتوفر في كل المناطق، وتعمل على نقل الإشارة الكهربائية من خلال الضوء أو الإنترنت، قبل شعور المواطنين بالزلزال من ( 3-20) ثانية فقط.

أما حول توقعات “الباحث “فرانك هوغربيتس”، يوضح الدبيك أن توقع مكان وقوع الزلزال بناء على التفسير المتعلق بالفلك غير صحيح.

“لا يمكن تحديد تفاصيل مكان الزلزال وقوته بهذا التفسير؛ وذلك لأن القشرة الأرضية عبارة عن قطع، وليست قطعة واحدة، وهي تتحرك بطبيعتها وحركة الكواكب تحدث قوة تؤثر في القشرة الأرضية؛ ولكن هذه القوة لا تُذكر أمام حركة الصفائح التي تتراكم على مر مئات السنين وتؤدي إلى حدوث الزلازل”، وفق ما قاله الدبيك.

وختم الدبيك حديثه بأن فرانك صرح بعشرات التوقعات من قبل ولم تحدث، وهو فعلياً لم يحدد المنطقة بالضبط التي سيقع فيها الزلزال، هو فقط يذكر عدداً من المناطق النشطة في توقعاته، ويمكن لأي شخص أن يخرج ويذكر مناطق نشطة وقد يحدث في إحدى المناطق التي يذكرها، وهذا لا يعني بأن توقعه صحيح.

خبير: يمكن تحديد الأماكن ذات المخاطر العالية للزلازل

من جهته، أكد البروفيسور في جامعة إدنبرة البريطانية، الخبير في علم الزلازل جون مكلوسكي “john McClosky ” بأنه من غير الممكن التنبؤ بالزلازل، ولكن إذا استخدمنا مصطلح التوقع يكون الأمر مختلف تماماً، حيث من الممكن تحديد الأماكن والأوقات التي تكون فيها “احتمالية” حدوث الزلازل أكبر منها في أماكن وأوقات أخرى. وهذا يعني أنه من الممكن تحديد الأماكن ذات المخاطر العالية للزلازل بشكل خاص مع مرور الوقت،

على سبيل المثال في جنوب تركيا، علمنا أنه من المحتمل حدوث زلزال كبير ونشر بحث في عام 2002 يشير بالضبط إلى موقع الزلزال الأكبر الذي حدث في شباط/فبراير من هذا العام. ولكن لسوء الحظ، ليس من الممكن تحديد متى يقع الزلزال أو حجمه بالضبط، أما حقيقة أن ذلك كان مكاناً خطيراً للغاية، فكانت واضحة للتوقف عندها.

وعند سؤاله عن علاقة الفلك وحركة الكواكب ووقوع الزلازل قال: “لا توجد علاقة على الإطلاق، هذا كله محض هراء، وعلمياً لا توجد أي علاقة بين الكواكب والنجوم والزلازل، التنبؤ بالزلازل هو عمل الدجالين، ويخترع الدجالون فقط علاقات ليس لها أي أساس علمي”.

مما سبق، نخلص إلى أنه لا يمكن لأي شخص علمياً التنبؤ بالزلازل كما يدعي “فرانك هوغربيتس”، وأن النظرية المُعتمدة على الفلك وحركة الكواكب، لا علاقة لها بوقوع الزلازل بالدرجة التي يتحدث عنها ويتمّ تداولها على نطاق واسع.

ينوّه فريق تيقّن أن هذا التقرير أُنجز كمشروع تخرج للزميلتين وطن نعيرات من منصّة "تيقن" وفاطمة حمّاد من المرصد الفلسطيني "تحقق"، ضمن دبلوم أريج لتدقيق المعلومات من الشبكة العربية لمدققي المعلومات (AFCN) ضمن مشروع دليل، بدعم من الاتحاد الأوروبي وبالتعاون مع مؤسستي سايرين وجوسا.

رابط مختصر

أخبار ذات علاقة